كود اعلان

مساحة اعلانية احترافية

آخر المواضيع

مبارك يلوك ضروسه كثيرا،‮ ‬كلما سمع عن القوات المسلحة وقائدها العام‮

الذي اقترب من حسني مبارك أو عايشه في مواقف،‮ ‬يعرف أنه حين يغضب يضغط بنواجذه علي شفته السفلي ثم يلوك ضروسه بعنف وسرعة،‮ ‬وإذا أراد الكذب يهز سبابته اليسري حتي يقنعك بصدق حديثه،‮ ‬وحين يصدق يضم كفيه ويشبك أصابعه‮!‬
في السنوات القليلة الماضية‮.. ‬كان مبارك يلوك ضروسه كثيرا،‮ ‬كلما سمع عن القوات المسلحة وقائدها العام‮!‬
وفي الشهور القليلة الماضية،‮ ‬كان مبارك يهز كفه اليسري مشيرا بإصبع السبابة في مواضع عديدة من خطبه كلما حدث شعبه‮.. ‬وعسي أن يتنبه المحقق إلي هذه‮ »‬اللازمة‮« ‬وهو يستجوبه‮!‬
وفي خطابه قبل الأخير يوم الأول من فبراير،‮ ‬كان مبارك يتحدث بكل الصدق بينما كثيرون يكذبونه،‮ ‬وهو‮ ‬يشبك أصابعه ويتلو من أوراق الخطاب أمامه قائلا‮: »‬انني لم أكن أنتوي الترشح لفترة رئاسية جديدة‮«!‬
كان مبارك قد حسم أمره بعدم الترشح،‮ ‬بل كان يفكر في التخلي عن الحكم قبل انتهاء مدته الرئاسية الخامسة بأربعة أشهر،‮ ‬لكنه كان ينتوي ترشيح ابنه جمال‮!‬
‮> > >‬
علي‮ ‬غير ما يتصور كثيرون،‮ ‬كان مبارك يريد توريث حكم مصر لنجله قبل عام‮ ‬2011‮ ‬بسنوات‮!‬
خطط لذلك فعلا في عام‮ ‬2005،‮ ‬وأراد تمرير السلطة لابنه،‮ ‬ولعله أعلن اعتزامه تعديل المادة‮ »‬76‮« ‬من الدستور في يوم‮ ‬26‮ ‬فبراير من نفس العام،‮ ‬لتسمح بإجراء انتخابات رئاسية شكلية،‮ ‬حتي تكون هي الغطاء السكري لبرشامة التوريث السامة،‮ ‬لكنه عدل عن نيته بعد أن تلقي ردا مهذبا ومنضبطا من المؤسسة العسكرية وكان ردا حاسما في نفس الوقت وهو‮: »‬القوات المسلحة لن تقبل توريث حكم مصر‮«!‬
عدول مبارك عن تنفيذ مخطط التوريث في عام‮ ‬2005‮ ‬كان مؤقتا،‮ ‬فقد قرر أن يراهن علي عنصر الزمن،‮ ‬وظن أنه بمرور الوقت سوف يلين موقف الجيش،‮ ‬وسوف يتقبل الشعب ولو علي مضض صعود جمال إلي قمة السلطة،‮ ‬في ظل حياة سياسية جري تجريفها عن قصد وعمد ومع سبق الاصرار،‮ ‬من النخب القادرة علي طرح شخصيات مؤهلة لحكم البلاد‮.‬
موقف القوات المسلحة الرافض لتمرير السلطة من الأب لابنه،‮ ‬أثار حفيظة أسرة الحكم تجاه قائدها العام المشير حسين طنطاوي،‮ ‬كانت زوجة الرئيس وابنه الموعود بوراثة حكم أقدم دولة في التاريخ يعتبران المشير طنطاوي هو رأس الحربة الموجه إلي قلب حلمهما المشترك،‮ ‬لذا وضعاه في مرتبة ألد الأعداء‮!‬
مرت السنوات،‮ ‬ولم يفلح رهان مبارك وأسرة الحكم علي عنصر الوقت‮. ‬علي العكس كان موقف الجيش والشعب من قضية التوريث يزداد ثباتا ورسوخا وصلابة‮.‬
في لحظة ما،‮ ‬تصورت أسرة الحكم أن بإمكانها اللعب بالنار دون أن تحترق أصابعها،‮ ‬وأن بمقدورها اجتياز عتبة محرمة،‮ ‬هي التدخل في شأن القوات المسلحة،‮ ‬ومحاولة التسلل إلي صفوفها أو اختراقها لكسب بعض أفراد علي مستويات وسيطة،‮ ‬لكن تلك المحاولة فشلت فشلا ذريعا،‮ ‬وجوبهت بكل ما تدل عليه كلمة حسم من معان‮!‬
‮> > >‬
كان مبارك يلوك ضروسه،‮ ‬وهو ينصت علي مضض إلي تلميحات المؤسسة العسكرية في أكثر من مناسبة بشأن التوريث‮. ‬لكنه أخذ يمضغها كثيرا وهو يطالع مضابط اجتماعات مجلس الوزراء،‮ ‬ويقرأ فيها مواقف المؤسسة العسكرية التي يعبر عنها المشير طنطاوي من خلال عضويته في الحكومة كوزير للدفاع‮.‬
لم يكن المشير طنطاوي،‮ ‬يزين كلماته،‮ ‬أو يجمل عباراته،‮ ‬ولم يكن يدثر مواقفه بأردية دبلوماسية‮. ‬فليست هذه شخصيته،‮ ‬ولا هو أسلوب المؤسسة التي تربي فيها وتولي قيادتها‮.‬
كانت تدخلاته حادة في إعلان رفضه القاطع لممارسات وقرارات الوزراء و للحكومة نفسها،‮ ‬والتي تضر بمصالح الشعب وثرواته،‮ ‬وتؤثر علي الاقتصاد المصري وتوجهه،‮ ‬بل تهدد الأمن القومي للبلاد‮.‬
ليس هذا مجال الحصر،‮ ‬لكن الأمثلة كثيرة كبيع البنوك العامة،‮ ‬وتبوير الأراضي الزراعية بحجة توسيع الحيز العمراني للقري،‮ ‬وإهدار أموال الشعب في صفقات الخصخصة،‮ ‬وتخصيص الأراضي للمحظوظين بأبخس الأسعار،‮ ‬والأخطر هو إدخال شركات أجنبية إلي ملفات في صميم الأمن القومي للبلاد كالاتصالات والموانئ،‮ ‬بما يجعل أمورا في صلب شئون الأمن والدفاع كتابا مفتوحا لمن يريد‮!‬
وحين تتاح مضابط مجلس الوزراء‮.. ‬ربما يفاجأ كثيرون بعبارات حادة قيلت للوزراء الذين أتي بهم جمال مبارك أو انضموا إلي صفوف كهنة التوريث،‮ ‬كيوسف بطرس‮ ‬غالي وأحمد المغربي ورشيد محمد رشيد ومحمود محيي الدين ورئيسهم الشرفي أحمد نظيف‮. ‬ومن عينتها‮.. »‬أنتم حتودوا البلد في داهية‮«.. »‬انتم حتضيعوا البلد‮«.. ‬ولعل أخطرها وأوضحها في مغزاها‮: »‬الجيش المصري حرر بالدم أرض هذا البلد من أجل هذا الشعب،‮ ‬وأنتم تهدرون هذه الدماء وهذه الأرض‮.. ‬والمؤسسة التي أمثلها لن تسمح بهذا‮«!‬
لم يكن مبارك بحاجة إلي أن يسمع من وزرائه عما يقال في مجلسهم علي لسان وزير الدفاع،‮ ‬ولم يكن ينتظر أن يعرف من ابنه بما ينقله إليه كهنة التوريث والوزراء من رجال الأعمال‮.‬
فقد كان مبارك يتلقي التقارير من جهاز أمن الدولة عما يدور في مجلس الوزراء،‮ ‬بل كان يتلقي منه تقارير أخري عن المؤسسة العسكرية وهو ما تبين فيما بعد في أعقاب انهيار الجهاز‮!‬
وكان تعليق مبارك حرفيا علي كلام وزير الدفاع في مجلس الوزراء‮: »‬أنا ولا هو الريس‮«!‬
‮> > >‬
يوم‮ ‬19‮ ‬مايو عام‮ ‬2009‭.‬‮. ‬كان يوم حزن عميق في أسرة مبارك،‮ ‬وكان يوم تعاطف من جانب شعب مصر العظيم مع الأسرة في مصابها الأليم وهو وفاة حفيد الرئيس‮. ‬وكانت الأيام والأسابيع التالية موضع قلق وترقب من جانب المؤسسة العسكرية،‮ ‬فقد انزوي حسني مبارك في منزله،‮ ‬ونشط كهنة التوريث في استثمار حزن الرئيس ليتحول إلي زهد في الحكم،‮ ‬ومن ثم التعجيل بتنفيذ التوريث،‮ ‬في ظل مناخ شعبي يغمر مبارك وأسرته بالمشاعر المصرية الأصيلة‮.‬
مال مبارك في تلك الأيام فعلا الي ترك الساحة،‮ ‬لكن المؤسسة العسكرية نجحت في استعادته من العزلة وإغلاق ملف التوريث الي حين‮. ‬وكانت تحرص علي تنظيم مناسبات عسكرية يحضرها ويقال له فيها أنه القائد‮.. ‬ويقال له أيضا‮: »‬لن نقبل بأحد مكانك‮«.. ‬وكان مبارك يفهم الرسالة ومفادها أن الجيش لا يريد جمال‮!‬
‮> > >‬
حل عام‮ ‬2010‭.‬‮. ‬كانت كل الطرق تؤدي إلي التوريث،‮ ‬وبدأ جمال مبارك يتعامل وكأنه رئيس جمهورية تحت التنصيب‮!‬
سارت الأوضاع في البلاد من سييء الي أسوأ،‮ ‬وانتقلت نبرة السخط من الصحف ووسائل الاعلام،‮ ‬إلي الشوارع والميادين‮.‬
جرت انتخابات مجلس الشوري،‮ ‬وكانت فضائحية في نتائجها المزورة‮.. ‬وأخذ مرجل الغضب يغلي‮.‬
كانت المؤسسة العسكرية ترقب في اهتمام بالغ‮ ‬ما يجري داخل البلاد،‮ ‬وتدفقت التوقعات والتصورات والسيناريوهات المحتمل حدوثها من الجهات المختصة داخل القوات المسلحة الي القيادة العامة‮.‬
التقت كلها عند نقطة واحدة،‮ ‬هي أن هناك أزمة‮ ‬غير مسبوقة سوف تتعرض لها البلاد في ربيع عام‮ ‬2011‭.‬‮. ‬بالتحديد في شهر مايو‮.‬
لماذا مايو؟‮!‬
لأن المعلومات كانت تشير الي اعتزام حسني مبارك ترك الحكم في مايو‮ ‬2011،‮ ‬ربما مع يوم بلوغه عامه الثالث والثمانين،‮ ‬وإجراء انتخابات مبكرة يدلف عبرها جمال الي قصر الاتحادية كما السكين في قالب الزبد‮.‬
كان هناك احتمال أن يرجئ مبارك تمرير السلطة الي شهر أغسطس لو ظل الجيش علي موقفه،‮ ‬مع قيامه بإجراء تغييرات جوهرية في كبار القادة قبل هذا التاريخ‮.‬
التصور لدي المؤسسة العسكرية إذن أن الأزمة في الأغلب ستحدث في شهر مايو‮. ‬سوف تخرج الجماهير الغاضبة إلي الشارع رافضة التوريث،‮ ‬ومنددة بالظلم والاستبداد وتفشي الفساد‮.‬
كان التوقع أن الشرطة لن تستطيع التصدي لهذه التظاهرات ولن تفلح في قمعها،‮ ‬وأن الجيش لا محالة سيضطر الي النزول للشارع لحفظ الأمن والنظام‮.‬
وعلي هذا الأساس‮.. ‬أقامت قواتنا المسلحة استعداداتها،‮ ‬وبنت سيناريوهات التحرك وبدائله‮:‬
‮> > >‬
كان شهر مايو هو الموعد المتوقع لانفجار الشارع،‮ ‬لكن الانفجار جاء مبكرا عن موعده بأربعة أشهر‮!‬
السبب يرجع إلي متغيرين رئيسيين‮:‬
أولهما انتخابات مجلس الشعب التي شهدت تزويرا منهجيا منظما‮ ‬غير مسبوق،‮ ‬أطاح بكل القوي الي خارج ساحة اللعبة السياسية،‮ ‬وسدد طعنة نجلاء إلي كرامة الشعب الذي زيفت إرادته علي نحو فاضح فاجر‮.‬
وثانيهما الثورة التونسية التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي وأجبرته علي الفرار من البلاد تحت ضغط الجماهير،‮ ‬وكانت هناك أوجه شبه كثيرة بين زين العابدين ومبارك في نهج النظام وتوجهاته،‮ ‬بل وفي الهيئة وملامح الوجه‮!‬
خرجت الجماهير المصرية يوم‮ ‬25‮ ‬يناير تعبر عن مطالبها بالأصالة عن نفسها،‮ ‬عندما وجدت أن ممثليها ونوابها في المجالس المحلية والتشريعية،‮ ‬جاءوا الي مقاعدهم سفاحا ورغما عن ارادة الشعب،‮ ‬وعندما تشجعت برياح ثورة الياسمين في تونس،‮ ‬والتي امتد عبقها الي ارض الكنانة في‮ ‬غضون سبعة أيام لا أكثر‮.‬
ومنذ يوم‮ ‬25‮ ‬يناير وحتي‮ ‬11‮ ‬فبراير‮.. ‬وعلي مدار‮ ‬17‮ ‬يوما من عمر الثورة المصرية جرت بين ضفتي النيل مياه كثيرة،‮ ‬جرفت معها مبارك ونظامه،‮ ‬ليستقر النظام أخيرا في مصرف طرة‮!‬
ورغم أن الكثير سوف يكشف عنه النقاب حتما في شأن ما جري خلال تلك الايام الخالدة‮.. ‬فإن ثمة اسئلة لابد ان تدور في الأذهان‮ ‬عن أسباب عدم تحرك الجيش قبل الثورة للاستيلاء علي السلطة ودفن ملف التوريث الذي كان يجري التجهيز لتنفيذه ابتداء من شهر مايو المقبل،‮ ‬وكذلك أسباب الانتظار أحد عشر يوما منذ صدور الأوامر بنزول الجيش الي الشارع ليلة ‮٨٢ ‬يناير حتي تولي المجلس الأعلي إدارة شئون البلاد يوم‮ ‬11‮ ‬فبراير وتنحية الرئيس مبارك عن السلطة‮.‬
لعله من‮ ‬غير المعروف علي نطاق واسع،‮ ‬أن هناك مبدأ‮ ‬يحكم العسكرية المصرية العريقة منذ ثورة‮ ‬1952،‮ ‬وهو تحريم الاستيلاء علي السلطة أو القفز عليها بطريق الانقلاب العسكري،،‮ ‬وصار هذا المبدأ عقيدة،‮ ‬عرفانا بوقفة الشعب المصري مع جيشه في محنة هزيمة‮ ‬1967،‮ ‬وصبره علي الجوع والحرمان حتي تحقق نصر أكتوبر،‮ ‬وظلت هذه الوقفة دينا يطوق أعناق رجال القوات المسلحة علي مر السنين‮.‬
ولعله من المعروف علي أوسع نطاق،‮ ‬أن القوات المسلحة هي جزء من هذا الشعب،‮ ‬وهي درعه وسيفه وحامية كيان الدولة المصرية،‮ ‬لذا فمن المستحيل أيا كانت الظروف ومهما كانت الضغوط أو الأوامر أو التلميحات أو الإشارات أن تطلق رصاصة واحدة علي أبناء الشعب‮.‬
‮> > >‬
لم تستول القوات المسلحة علي السلطة صباح الأول من فبراير،‮ ‬وكان ما أسهلها من خطوة‮.‬
لكن واقع الأمر أنها منذ لحظة نزولها الي الشارع،‮ ‬أرسلت رسالة بالغة الأهمية الي الجماهير المصرية والحاكم،‮ ‬عبر بيان صدر عن القيادة العامة للقوات المسلحة قبل‮ ‬9‮ ‬ايام من البيان الأول الذي صدر عن المجلس الأعلي للقوات المسلحة‮.‬
وكان بيان القيادة العامة يركز علي ثلاثة مبادئ لا حياد عنها‮.. ‬هي ان حق التظاهر السلمي مكفول‮ »‬والمعني هو دعوة الجماهير الي الاستمرار في التظاهر‮«‬،‮ ‬وان القوات المسلحة تتفهم المطالب المشروعة للمواطنين‮.‬
والمعني أن من حق الشعب رفع هذه المطالب وعلي النظام الاستجابة لها،‮ ‬وان القوات المسلحة لم ولن تستخدم العنف ضد المواطنين الشرفاء‮ »‬والمعني أن أي أوامر بالقمع لن تنفذ وأن العنف لو جري استخدامه،‮ ‬سيوجه ضد‮ ‬غير الشرفاء الذين قد يفكرون في ارتكاب مذابح‮«!‬
قلة من المواطنين أدركت مغزي هذه الرسالة التي صدرت في الأول من فبراير،‮ ‬لأن التليفزيون المصري أذاع البيان مرة واحدة فقط،‮ ‬وامتنع عن تكرار إذاعته لأسباب لا تخفي علي أحد‮.‬

إرسال تعليق

0 تعليقات

إضافات

مساحة اعلانية احترافية

متحرك

مساحة اعلانية احترافية

حياة

مساحة اعلانية احترافية