كود اعلان

مساحة اعلانية احترافية

آخر المواضيع

شاهد ملخص تاريخ عائلة الاسد الاجرامية



ما يحدث في البلاد السورية بالتحديد فلقد كان مختلفاً كثيراً، عن مصر واليمن والعراق، وغيرها ، فلقد نجح الإستعمار في تفكيك البلاد السورية إلى بلدان مقطعة الأوصال مفككة الطوائف متنافرة الطرائق السياسية ( لبنان ، الأردن ، سوريا المابعد فرنسية ، فلسطين ) — وهذا حديث يطول التفصيل فيه والمراجع ملأى بشرح مآسيه وآثاره السلبية على المجتمع الواحد. وبشكل عام، فهذه الأوطان جهزها الإستعمار الإجنبي ليستلمها من بعده الوكيل ( أو المستعمر المحلي ) المتمثل في الديكتاتور الأناني المصاب بحالة من الهوس الإستحواذي المرَضي، ليذيق هذا الوكيل أهلها سوء العذاب في كل مجالات حياتهم الفكرية ، والإجتماعية ، والسياسية والإقتصادية، والأخلاقية. لقد أدخلهم في مرحلة يسميها الدكتاتور مواطَنة لكنها في الواقع نمط جديد من العبودية قد يتلبس بالمواطنة.


لقد أدخل الديكتاتور هذا المواطنَ العبدَ في مرحلة معقدة التراكيب، ويحتاج الإنسان لعقود مستقبلية لكي يخرج منها إلى بر الأمان النفسي والإجتماعي والوعي بوجوديته . إنها أشبه بمرحلة نقاهة يعمل فيها القائمون على الدولة الجديدة على محاولة نسيان كل ما يذكر هذا الإنسان (الحديث العهد بالحرية) بالاستبداد وسنينه المظلمة.


لقد حكمت عائلة حافظ الأسد سوريا — عبر انقلاب عسكري فاقد للشرعية من الأساس— وتربعت كل هذه المدة الجهنمية على صدر الشعب السوري وهي لن تتركه حتى يتأكد لها أنه قد فارق الحياة بشتى أشكال الحياة الكريمة ومضامينها المتخيلة . فلقد صار الإنسان السوري اليوم دابة 'لا تهش ولا تنش'، مستضعفاً يستجدي كسرة خبزه، كل همه أن يجد وسيلة للهجرة من وطنه شمالاً أو جنوباً أو شرقاً أو غرباً.


وإذا كان الفلاسفة منذ القدم قد قالوا بأن العبد الجائع لا يثور لمعاني سامية في الحياة بقدر ما يثور لكسرة الخبز التي يسد بها رمق جوعه المتوحش، فإن الإنسان السوري اليوم قد أدخل في مرحلة غريبة ومعقدة على الفهم فهي من ناحية لا تعتبر جوعاً بالمعنى اللفظي البسيط للكلمة ولكنها تحمل معنى المجاعة بكل أشكالها المتصوره خارج مسألة سد الرمق اليومي بفتات خبز. لقد أصبح التسول في سوريا أمراً عادياً، والرشوة/ الإرتشاء أمراً عادياً ، والنفاق والكذب وتملق المسئولين أمراً عادياً ، والتزوير أمراً غير مستغرب من أحد، والبطل الشجاع عند بني قومه هو الذي يأتي بالمال من أي مصدرٍ كان، وأصبح ارتياد المواطنات لدور البغاء وأماكن اللهو ومتعة السواح أمراً شرعياً بالنسبة للحاكم الفرد فهو يوفر له دخلاً سياحياً.


لقد نجح نظام حافظ أسد التوريثي في تحويل تاريخ ونضال شعب عظيم إلى مملكة جديدة ذليلة، خانعة، راضية بظلمه وجبروته، ومسخرة طاقات كتابها ومبدعيها لمديح أفضاله وأفعاله . وإن قلب المرء ليكاد يدمى حين يرى شعباً كالشعب السوري الذي أنجب رجالاً لا تكاد الأرض العربية كلها أن تجود بمثلهم إلى مجرد عبيد سلبيين يقابلون الصفع اليومي على الخدين بابتسامات تفتعل الغبطة والحبور. ولا يملك المحب المشفق إلا كتمان الحسرات وهو يرى الذل يطبق بأنيابه ومخالبه على أحفاد رجال بالأمس القريب قاوموا الذل الإستعماري بكل شراسة في معارك منها معركة ميسلون الشهيرة بقيادة الوطني الأخلاقي يوسف العظمة (1920) ، وكذلك عملاق الثورة السورية سلطان الأ*** (1925) ، وقبلهما المناضل الكبير صالح العلي (1918) والمناضل الكبير ابراهيم هنانو (1919)، هذا للمثال لا للحصر. كل هؤلاء المتشبعين بروح الوطن والمواطنية تحولوا في نظام حافظ التوريثي الإستبدادي إلى لا شيء سوى قطيع اجتماعي يقاد للمسلخ الإستبدادي صباح مساء دون أن يرد بغير صمت الحملان الوديعة.




لم أرد من هذا المقال أن أقلل من مكانة أي شعب ، فضلاً عن الشعب السوري الشقيق، أو أن أتهاون لا سمح الله بطاقات الشعوب الكامنة والتي ما تلبث أن تحيل مادة القمع إلى طاقة هائلة من النضال لا يمكن التنبؤ بميعاد انفجارها في وجه القامع لتحيله إلى رماد، ولكن الأشقاء السوريين اليوم بحاجة إلى مساعدة ( بل مساعدات ) من الخارج نظراً لما تعرضوا له من البلوى والنكباتة الإستبدادية المتعاقبة التي لا مثيل لها مقارنة مع باقي شعوب العرب. إنهم يكادون اليوم أن يختفوا من الخارطة السياسية للشعوب ذات الكرامة الوطنية بسبب ما يفعله هذا النظام العنيف الذي يفعل بهم وبمستقبلهم كل ما يحلو له دون أي مقاومة شعبية على الأرض، وكل همه أن يغازل الغرب على استحياء لكي يضمن أدنى حدود السلامة من بطشه ، فكانت النتيجة أن شبع السوريون فقراً وإذلالاً وفساداً أخلاقياً. حتى المروءة والأخلاق أصبحت بضاعة نادرة بين الناس تحت هذا الحكم الجملوكي العضوض الذي دخل القرية السورية فأفسدها فساداً سرطانياً قلما يرجى شفاؤه.


ومع هذا كله فإنه يجب علينا الإعتراف بأن المرء لا يطلب من شعب كهذا تحت نير العبودية وخاضع لمنهجيتها الصارمة أن يكون إنساناً ذا مروءة وأخلاق ، فلا أخلاق عند العبيد، لأن الأخلاق مركزها الإرادة الحرة ، والعبيد لا يملكون إرادتهم وبالتالي فقد سقط عنهم التكليف حتى في العبادات والشعائر الدينية التي فرضها الله على كل حر عاقل. وبالتالي فكل ما يمكن طلبه الآن من هؤلاء الناس هو أن يسعوا لاسترداد حريتهم المسلوبة، كخطوة أولى على طريق استرداد كرامتهم المهدرة. بل إن الكثيرين من كتاب القطر السوري الشقيق ومفكريه قد دخلوا مرحلة مقززة من التبلد الحسي بحيث يبدون وكأنهم لم يعودوا يدركوا أنهم في مشكلة حقيقة كي يسمعوا أو يعوا ما يدور حولهم من أفكار تدعو للتخلص منها.


ومع إن الحالات العربية تتشابه كثيراً، وتتقاطع كثيراً، إلا أن الحالة السورية في تركيبتها وتناغمها لا تشبهها حالة. فمثلاً ، نرى أنه حين فشل صدام حسين فشلاً ذريعاً في كسر شوكة العراقيين الذين ما إن تباد منهم أفواج في الشمال الكردي بالسلاح الكيميائي حتى تأتيه أفواج ثائرة من الجنوب العربي فيبيدها، فيلجأ الناس لطريقة الكر والفر معه ومن ذلك الهجرة النخبوية والحرب عليه من الخارج ، ولكننا نجد في المقابل أن نظام حافظ أسد قد نجح في سحق الشوكة السورية سحقاً وليس في كسرها فحسب، باستثناء قلة من المعارضين لا يستطيعون إثارة غبار المشكلة التي تحيق بوطنهم الكبير الذي كان سيكون واعداً وجسراً بين الغرب والشرق لأهله ولجيرانه.


لم تعد سوريا كغيرها من البلدان تسير على مباديء الفيزياء الطبيعية من فعل + رد فعل ، بل أصبحت ترد على الإهانة بمشروع ممنهج لقبول الإهانة والترحيب بها دون قيد أو شرط. لا شك عندي في أن تحول الإنسان السوري من إنسان ثائر على الظلم والمذلة إلى إنسان خانع يعد نقلة نوعية في أداء الإستبداد السياسي والفكري الذي مورس على شعب بكامله لعقود فأحاله إلى حالة كهذه.


وربما يكون الإستثناء هو منطقة درعا التي بقيت فيها جمرة من كرامة بشرية لا تزال تتوهج اليوم لتهدد بإحراق منزل حافظ أسد التوريثي، ولكنها جمرة مهددة بالإنطفاء في أي وقت بسبب الموجة السلبية التي يشهدها الوطن السوري تجاه الثورة في منطقة درعا التي يبدو أن نظام حافظ أسد قد غفل عنها وإلا لكان قام بترويضها كما نجح ترويض حماة عام 1982 عندما قام مسلحون من تلك المنطقة بالخروج عليه فجازى كل المناطق المدنية بقصف عشوائي بالطائرات كانت حصيلته حوالي 30000 قتيل ، ولم يرفع العالم حاجباً تجاه الأرواح البريئة بل اعتبرها جسراً لوعود يعدها الأسد ونظامه بتحسين شروط السلام في الشرق الأوسط. لقد كان السكوت الأممي عن تلك المذبحة لطخة سواد في جبين هيئات الأمم المتحدة ودليلاً على أن القانون الدولي جسداً ميتاً ما لم تنفخ فيه الروح سواء بدافع مصالح دولية أو دافع أخلاق إنسانية أصبحت تتلاشى من ضمائر صانعي القرار العالمي.


وفي العالم العربي ، أعتقد أنه يجب علينا اليوم أن نساعد جميعاً الثورة السورية في اتجاه زحزحة هذا الجبل الإستبدادي القابع على صدر الشعب وأبنائه المتطلعين لمستقبل أكثر إشراقاً وأملاً، وإلا فإنهم لن يتخلصوا من هذا الحكم الشنيع وسيعانون الأمَرّين من نظام يبدو أنه يجمع أكثر خصائص النظم العربية الإستبدادية من تمترس خلف العلمانية كما فعل نظام آل بورقيبة الذي أسقطه محمد البوعزيزي، ومن مكابرة القذافي وزعمه بأن شعبه لا يريد سواه ، ومن خبث مبارك ودهائه ومناوراته العديدة ، ومن عناد علي عبد الله صالح وشهوة الحكم العارمة التي لا تحدها حدود، ومن وحشية صدام حسين وهو يقضم أطراف الشعب شمالاً وجنوباً ويسوقهم للمقابر الجماعية بكل دم بارد.

إرسال تعليق

0 تعليقات

إضافات

مساحة اعلانية احترافية

متحرك

مساحة اعلانية احترافية

حياة

مساحة اعلانية احترافية